الشيخ محمد رضا النعماني
55
شهيد الأمة وشاهدها
تفوق منازل المواكب الأخرى ، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الحصن الشريف حيث نجد عدداً كبيراً من الناس ينتظرون الموكب بشوق ولهفة ، وكان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم ، وأما إذا كان غيره ينفض عن الموكب الكثيرون منهم ، فقد كان لإلقائه حلاوة وتأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سِنّه . وفي تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر - وليتها كانت طويلة - وعرفه الناس الذين يقصدون الكاظمية من بغداد وضواحيها لحضور المواكب والمجالس الحسينية . وإنّنا زملاؤه في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه ، وعرفناه طالباً مثالياً في سلوكه وفي جميع تصرّفاته . وما أتذكر أنّه كان له حُسَّدٌ من الطلاب ، بل كان حبّهم له يطغى على كل شيء يتودّدون ويقرّبون منه ، وذلك بسبب سلوكه العقلاني معهم ، واضفاء حبّه وحنانه على من هو أصغر منه ، واحترامه لمن هو أكبر منه ، وكنّا نشعر - وإن كبرناه سنوات - لقد كان والله معجزة وآية من آيات خلق الله ، ولا أجدني مبالغاً مهما قلت عنه وأطنبت في امتداحه والثناء عليه وتعداد حسناته وصفاته التي لم نجد لها نظيراً في سمّوها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس . كان ينتجي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها ولم يقربها غيره احتراماً له وذلك في كل استراحة بعد كلّ محاضرة في الصف ، وكان يلتف حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ ورفاق صفّه أو في الصفوف الأعلى . كنّا نراقب هذا الاجتماع ونرقبه وهو يتحدّث إلى المحيطين وكلّهم إصغاء له ، يتحدّث إليهم بهدوء ، ويلفه هدوء ، ويغطيه سكون ، والكلّ صاغون إلى حديثه ، ساهون مسحورون ، وقد أثارت فضولنا هذه الحالة وهذا الاجتماع ، فهممنا عدّة مرات لأن ننضمّ إليهم ولكنّ فارق السن - كما قلنا - كان يحول بين رغبتنا وبين تحقيقها .